العلامة الحلي

54

إيضاح مخالفة السنة لنص الكتاب و السنة

ح - وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ خبر ، إنّما يعلم صدقه لو امتنع الكذب على اللّه - تعالى - ، وخالفت السنّة فيه . « 1 » و « 2 » ط - بِغَيْرِ حِسابٍ « 3 » أي كثيرا ، لا يدخله الحساب لكثرته ، أو لا يرزق المؤمن على قدر إيمانه ولا الكافر على قدر كفره في الدنيا ، أو يعطي أهل الجنّة ما لا يتناهى ولا يأتي عليه الحساب ، « 4 » وهذا خبر ، إنّما يعلم صدقه ، لو امتنع الكذب على اللّه - تعالى - ، وخالفت السنّة فيه . * قال اللّه تعالى : كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ . « 5 »

--> ( 1 ) . لم يصرح أحد من أهل السنة بأنّ الكذب لا يمتنع من اللّه ، لكنّه يستنبط من رأى الأشاعرة في الحسن والقبح الشرعيين ، أعنى لو كان الحسن والقبح باعتبار السمع لمّا قبح من الله شئ ولو كان كذلك لما قبح منه الكذب . وقد اهتمّ علماء الأشاعرة بالإجابة عن هذه الشبهة فقال الأشعري أثناء بحثه عن التعديل والتجوير : « فإن قال ؛ فإنّما يقبح الكذب لأنّه قبحه ، قيل له : أجل ، ولو حسّنه لكان حسنا ولو أمر به لم يكن عليه اعتراض ، فإن قالوا : فجوّزتم عليه أن يكذب كما جوّزتم أن يأمر بالكذب ، قيل لهم : ليس كل ما جاز أن يأمر به جاز أن يوصف به » ( اللمع ، ص 117 ) . وقال شارح المقاصد : « لا خلاف في أنّ الباري لا يفعل قبيحا ولا يترك واجبا . أمّا عندنا فلأنّه لا قبح منه ولا واجب عليه لكون ذلك بالشرع ولا يتصور في فعله ، وأمّا عند المعتزلة فلأنّ كلّ ما هو قبيح منه فهو يتركه البتة وما هو واجب عليه فهو يفعله البتة ، فإن قيل : الكفر والظلم والمعاصي كلّها قبائح وقد خلقها اللّه - تعالى - ، قلنا : نعم إلّا أن خلق القبيح ليس بقبيح ، فهو موجد القبائح لا فاعل لها » ( شرح المقاصد ، ج 4 ، ص 294 ) . ( 2 ) . إن الأشاعرة كما مرّ لا يصرحون بهذا القول لكن هو لازم سائر عقائدهم كالاعتقاد بالحسن والقبح الشرعيين وهم في باب الحسن والقبح يعرضون الشبهة وأجابو عنها ، قال الإيجي : يقولون لو حسن من اللّه كل شئ لحسن منه الكذب وفي ذلك إبطال الشرائع وبعثة الرسل بالكلية لأنه قد يكون في تصديقه النبي كاذبا فلا يمكن تمييز النبي عن المتنبي وإنّه باطل إجماعا ولحسن منه خلق المعجزة على يد الكاذب وعاد المحذور ، الجواب : إن مدرك امتناع الكذب عندنا ليس هو قبحه إذ يجوز أن يكون له مدرك آخر وقد تقدم هذا ( لا قبيح منه ولا واجب عليه ) ( المواقف ، ص 327 ) . ( 3 ) . قد يكون المراد ب وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ ما يعطيه اللّه للمتقين في الآخرة من الثواب ، ويحتمل أن يكون المراد ما يعطيه في الدنيا أصناف عبيده من المؤمنين والكافرين ، وذكر الرازي لهذين الاحتمالين وجوها كثيرة ( التفسير الكبير ، ج 6 ، ص 9 - 10 ) . ( 4 ) . تلخيص عن التبيان ، ج 2 ، 192 - 193 . ( 5 ) . البقرة / 213 .